فيض المشاعر
طفل آخر يولد من فيض الكلمات

القبور الواقفة

قصة قصيرة                                              

 
 
 بالصدفة مررت بالقرب من المقبرة، وبدون أدنى تردد قررت الدخول إليها..لم لا أزر قبر أبي واقرأ عليه ما تيسر من الذكر الحكيم كما يفعل كل الناس؟؟. ألا أذكره كل يوم تقريبا حين أكون مع أبنائي على مائدة الطعام أوفي ليلة ساهرة..أو..أو..مستحضرا بعض نصائحه أو طرائفه  و بعضا من قسوته أحيانا؟؟.

  - "أنت ابن أبيك "

 عبارة ترددها زوجتي و  تخاطبني بها كلما ذكرته أثاء الحديث .

  دخلت المقبرة التي ما دخلتها مطلقا ألا عند اصطحاب نعش يقل قريبا أو جارا إلى مثواه الأخير..لم يكن الباب محروسا كما تحرس مقابر اليهود والنصارى المتبقية في البلاد..تكاد كل القبور تتشابه..اغلبها أهمل..و قليا منها حظي بترميم أو زخرفة مبالغ في بعضها..حتى في المقبرة تمييز طبقي و إن تساوى الرميم..بعض الأسر تكلف نفسها عناء البناء على القبر تظاهرا، وبعضها يمتنع تدينا..والبعض يضع علامات وخطوطا وأسماء للتذكر ليس إلا.المقبرة التي تركتها قبل خمس سنوات نصف خالية ، تكاد تمتلئ عن آخرها ،انتصبت فيها قبور كثيرة، الجديد منها هو ما حظي بالبناء عليه والمبالغة في زخرفته .."لا شك انه وشي الوقت والتنافس في التظاهر"، عبارة رددتها في نفسي بامتعاض وتأسي. 

   جاهدا حاولت العثور على قبر أبي ولم أفلح.. وحدها أمي من تعرف القبر.تزوره   باستمرا

وفي كثير من الأحيان تزوره خلسة .. وحدها من  تشعر بمرارة الفقد. .حين تزورني في المدينة التي اسكن فيها، لا يكاد حديثها يخلو من ذكر اسمه ("سي محمد) هكذا كانت تناديه مند أن تزوجته وهي طفلة كبيرة .أخي الأكبر،من شدة تحفظه رفض وضع أي علامة على القبر ..هو يعتبر ذلك من عادة الوثنيين واليهود والنصارى ..لم أناقشه مرة في الموضوع لأنني متأكد من عدم إقناعه بترضيتها .أذكر أن أمي طلبت مني إرسال بعض النقود لتبني على القبر، لكن أخي استغل النقود لإقامة وليمة لجماعته على أنها صدقة جارية..حزنت أمي في صمت كعادتها ،وتكتمت ..حكت لي ذلك في رسالة خطها ابن أختي معبرة تماما عن كلماتها التي أملتها عليه، فهي لا تثق في غيره ليصوغ عباراتها بأمانة و بعاميتها الضاربة في البداوة والطيبة...

   قصدت بخطو خفيف ضاحية القبور القديمة لعلي أتذكر ملامح القبر الترابية محاولا ألا تطأ قدمي قبرا من هذي القبور الدارسة بدون انتظام مستحضرا قول المعري :

              سر إن اسطعت في الهواء رويدا                       لا اختيالا على رفات العباد

  و حين ظللني التشابه، بدت كل القبور كأنها توحدت في قبر واحد، هلامي الهيأة. ثم سرت في جسدي قشعريرة من الهيبة والوقار، وسمعتها تهمهم في جلال وكأني في طقس ديني صوفيي يشبه تلك الطقوس التي كنت احضرها صحبة أبي عنوة في مرحلة الطفولة. وتهيأ لي كأنها تناديني  بصدى صوت موحد كورالي مفخم يشبه صوت  أبي . أرهفت السمع في محاولة يائسة لرصد مصدر الصوت و أنا ألف حول نفسي لفة كاملة  .وما تمالكت إلا حين انتابتني لحظة من خشوع و تثبت..جلت خلالها بناظري على كل القبور المتعانقة وقد بدت كأنها ترتفع على مستوى الأرض لتضاهي قامتي. و بحركة موحدة منسجمة، هبت واقفة فصرت كالقزم في وسط الدائرة. رفعت عقيرتي مغمض العينين مجيبا نداءها الذي لازالت همهمته و صداه يملآن فضاء المقبرة : أيتهـــــا القبور الواااقفة ،أنت  أبـــــ.........ي. 

 

                                   لمجيد تومرت /المغرب /حريبكة

(0) تعليقات


أضف تعليقا



أضف تعليقا

<<الصفحة الرئيسية


<